ملا محمد مهدي النراقي
280
جامع السعادات
بمجرد التكلم به ، بل الإذعان القلبي واليقين القطعي بأن كل معبود سواه باطل ، وكل شئ منه وله وبه وإليه ، ولا مؤثر في الوجود إلا هو . فالمتحصن للتوحيد من لا معبود له سوى الله ، وأما من اتخذ إلهه هواه ، فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله . ومن مكائد اللعين أن يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ، لتمنع من الحضور وفهم ما تقرأ ، فاعلم أن كل ما يشغلك عن الإقبال إلى الله وعن فهم معاني القرآن والأذكار ، فهو وساوس ، إذ حركة اللسان غير مقصودة ، بل المقصود المعاني . وإذا قلت : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فانو به التبرك لابتدائك بقراءة كلام الله ، والمراد بالاسم هنا المسمى ، فمعناه : إن كل الأشياء والأمور بالله ، فيترتب عليه انحصار ( الحمد لله ) ، إذ المراد بالحمد الشكر ، والشكر إنما يكون على النعم ، فإذا كانت النعم بأسرها من الله فيكون منحصرا به ، فمن يرى نعمة من غير الله أو يقصد غيره سبحانه بشكر لا من حيث أنه مسخر من الله ، ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله سبحانه . وإذا قلت : ( الرحمن الرحيم ) ، فأحضر في قلبك أنواع لطفه ، وضروب إحسانه ، لتتضح لك رحمته ، فينبعث بها رجاؤك . وإذا قلت : ( مالك يوم الدين ) ، فاستشعر من قلبك التعظيم والخوف ، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا هو ، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه . ثم جدد الإخلاص بقولك : ( إياك نعبد ) . وجدد العجز والافتقار والتبري من الحول والقوة بقولك : ( وإياك نستعين ) ، وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة ، إذ وفقك لطاعته ، واستخدمك لعبادته ، وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان الرجيم ، واستحضر أن الإعانة لا تكون إلا منه ، ولا يقدر غيره أن يعين أحدا ، فأخرج عن قلبك الوسائل والأسباب إلا من حيث أنها مسخرة منه تعالى . وإذا قلت : ( إهدنا السراط المستقيم ) ، فاعلم أنه طلب لأهم حاجاتك ، وهي الهداية إلى النهج الحق الذي يسوقك إلى جوار الله ، ويفضي بك إلى مرضاته ويوصلك إلى مجاورة من أنعم الله عليهم نعمة الهداية من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، دون الذين غضب الله عليهم من الكفار والزائفين